فهرس المحتويات
السياق المغربي
المفاعلات الصغيرة المعيارية، آخر جيل من المفاعلات
التحديات التقنية والاقتصادية
أصداء من أفريقيا والشرق الأوسط
الواقع والحاجة الطاقية
يبدو أن المغرب يفكر في انعطاف جديد في انتقاله الطاقي بالمراهنة على الطاقة النووية. تعكس البيانات الإعلامية الحكومية اهتماماً معيناً بالمفاعلات الصغيرة المعيارية كمصدر جديد لإنتاج الكهرباء في البلاد. يمكن لهذه المفاعلات أن توفر بعض المميزات للمغرب، لكن على حساب عدة تحديات تقنية واقتصادية.
السياق المغربي
خلال عام 2023، ظهرت الكثير من الشائعات المتعلقة بسوق نووية مدنية محتملة في المغرب على الصفحات الأولى للصحافة الوطنية. السبب يعود إلى زيارة الوكالة الدولية للطاقة الذرية (الآيأيا) في ديسمبر 2023[1]، حيث خلصت إلى أن المغرب ملتزم بالحفاظ على تعزيز إطاره التنظيمي في مجال السلامة النووية والإشعاعية.
عقب التقرير الإيجابي الذي قدمه خبراء الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تكثفت تصريحات وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، السيدة ليلى بن علي، معلنة أن رؤية برزت ضمن الحكومة بهدف استكشاف إمكانية الشروع في مشاريع نووية مدنية[2]، وإضافة الإنتاج الكهربائي ذي الأصل النووي إلى مزيج الكهرباء في البلاد، وخاصة من خلال المفاعلات الصغيرة المعيارية (SMR)، لتعزيز الانتقال الطاقي في المغرب.
لم تمرّ هذه التصريحات دون أن تلفت الانتباه على المستوى الأوروبي، حيث تمّ الاقتراب من جانب اثنين من الفاعلين الرئيسيين في المجال النووي المدني الأوروبي. أولاً روسيا، من خلال توقيع اتفاق تعاون مع المغرب[3] في مجال الطاقة النووية المدنية، لا سيما الإشراف والمساعدة الروسية في إنشاء وتحسين البنى التحتية للطاقة النووية. ثانياً فرنسا، من خلال زيارة وزير الاقتصاد برونو لو مير في أبريل 2024[4]، الذي يثير إمكانية شراكة مع المغرب في مجال الطاقة النووية، وخاصة المفاعلات الصغيرة ذات تكنولوجيا Nuward.
لكن رغم كل هذه الضجة، ليست هذه المرة الأولى التي نسمع فيها عن الطاقة النووية في المغرب. تجدر الإشارة إلى أنه في أواخر سبعينيات القرن الماضي، كان للملك الراحل الحسن الثاني طموح في إطلاق برنامج نووي مدني لإخراج المغرب من اعتماده الطاقي، لا سيما بعد التأثير الكبير لأول صدمة نفطية من 1973-74. كان المشروع يتعلق ببناء أول محطة نووية على ضفة المحيط الأطلسي بين صفاقس والصويرة. لسوء الحظ، أدت الجفاف والظروف الاقتصادية لثمانينيات القرن الماضي إلى إنهاء هذه الديناميكية.
فما جدوى كل هذه الشائعات ولماذا تعود الطاقة النووية المدنية للظهور في النقاش العام المغربي؟ ما هي هذه المفاعلات الصغيرة المعيارية التي نسمع حديثاً كثيراً عنها وأي تكنولوجيا تختبئ خلفها لجذب هذه الانتباهات؟ وما هو الدور الذي ستلعبه في النهاية الطاقة النووية المدنية في الانتقال الطاقي المغربي؟
المفاعلات الصغيرة المعيارية، آخر جيل من المفاعلات
تنتمي المفاعلات الصغيرة المعيارية إلى عائلة موسعة من المحطات النووية لإنتاج الكهرباء المدنية. تستند هذه المحطات إلى أنظمة إنتاج الكهرباء المقسومة إلى 3 دوائر مستقلة.

الدائرة الأولية (الدائرة الصفراء في المخطط أعلاه) هي دائرة مغلقة تضمن نقل الحرارة المنبعثة من قلب المفاعل، حيث يوجد الوقود وتحدث سلسلة التفاعل، إلى مولدات البخار التي تحول هذه الحرارة إلى بخار. الدائرة الثانوية (الدائرة الزرقاء) هي دائرة مغلقة تنقل البخار الناتج من مولدات البخار إلى توربين مجموعة التوربو-المولد الكهربائي الذي ينتج الكهرباء. بعد ذلك، يتحول البخار إلى ماء في المكثف. دائرة التبريد (الدائرة الخضراء) تزود المكثف بماء بارد. يُطلق على هذا الماء، المصدر البارد، اسم المياه المستخرجة من نهر أو نهيرة أو البحر[5].
أكثر تكنولوجيا المفاعلات انتشاراً في العالم هي المفاعل بالماء المضغوط، أو (REP). تمثل حوالي 70% من المفاعلات المثبتة أو قيد الإنشاء في المنتزهات النووية العالمية. في فرنسا على سبيل المثال، 100% من المفاعلات النووية هي من نوع REP.

المفاعلات الصغيرة المعيارية هي تكنولوجيا محددة انبثقت من مبدأ عمل المحطات النووية. المفاعل نفسه لكن بنسخة أكثر إحكاماً وبالتالي أصغر حجماً: يحتوي داخل مفاعله المغمور على كل من معزز الضغط ومولدات البخار وقلب المفاعل. يعمل المفاعل الصغير المعياري أيضاً بكمية وقود أقل بكثير، وبالتالي قادر على إنتاج كمية حرارة أقل، مما يتوافق مع إنتاج كهربائي أقل بكثير من المفاعلات الكبيرة. يتراوح حجم المفاعل الصغير المعياري بين 70 و 470 ميجاوات كهربائي (MWe).
تكمن الخصوصية الأولى لهذه المفاعلات في معيارتيها، حيث يتمتع العميل باختيار القوة الكهربائية النهائية التي يحتاجها. يمكن اعتبار هذه المفاعلات الصغيرة المعيارية كوحدات بناء، مصممة لتكون مكملة. إذا كانت الحاجة 300 ميجاوات كهربائي، فيمكن تجميع وبناء مفاعلين بقوة 150 ميجاوات كهربائي في نفس الموقع لإنتاج الطاقة الكهربائية اللازمة للحقن في الشبكة.
تكمن الخصوصية الثانية للمفاعلات الصغيرة المعيارية في تكلفتها. حيث يمكن أن يكلف مفاعل من نوع REP بقوة 1600 ميجاوات كهربائي حوالي 80 مليار درهم، فإن مفاعلاً صغيراً معيارياً بقوة 300 ميجاوات سيكلف بين 15 و 20 مليار درهم. التحدي بالنسبة للمفاعل الصغير المعياري هو ضمان الإنتاج على نطاق واسع، لتقليل تكلفة الوحدة. تعكس المحطات النووية الحديثة تكاليف إنتاج تتجاوز 1000 درهم/ميجاوات ساعة سواء في الولايات المتحدة أو في أوروبا. لكن ديناميكية قد أُطلقت في شكل سباق تكنولوجي (تطوير أجيال جديدة من المفاعلات) وصناعي (تطبيق مبادئ المعيارية والتوحيد) لتقليل تكاليف الميجاوات ساعة الناتجة، والانخفاض أقل من 1000 درهم.
تعكس الخصوصية الثالثة سرعة القدرة على البناء. عقب فشل المفاعل الفرنسي EPR في فلامانفيل 3، حيث امتدت مدة البناء والتشغيل على مدى حوالي خمسة عشر سنة، مقابل 5 سنوات متوقعة، بدأت عدة دول تشك في قابلية المشاريع النووية الكبيرة للعيش الاقتصادي. تمّ الإعلان عن المفاعلات الصغيرة المعيارية كقابلة للبناء في 3-4 سنوات.
تكمن الخصوصية الرابعة في معامل تحملها العالي جداً. معامل التحمل يقابل نسبة الإنتاج الكهربائي الفعلي مقارنة بالإنتاج الذي يُفترض أن ينتجه المفاعل في جميع الأوقات. على سبيل المثال، معامل التحمل لحديقة الطاقة الشمسية يدور حول 20% بمتوسط في 2024، بينما معامل التحمل لسد مائي مغربي انخفض في السنوات الأخيرة إلى 3% بمتوسط، لعدم وجود هطول الأمطار. المفاعلات الصغيرة المعيارية توفر معامل تحمل يمكن أن يصل إلى 90% بمتوسط سنوي.
تبقى هذه الميزة الأخيرة مثيرة للاهتمام جداً في سياق الانتقال الكهربائي المغربي، لأنها ستسمح بإنشاء مزيج من إنتاج الكهرباء بناءً على الطاقات المتجددة، لكن بالنظر إلى تقطع هذه الموارد المتجددة، يمكن للمفاعلات الصغيرة المعيارية أن تعوض الفترات المنخفضة بإنتاج الكهرباء اللازمة للاستجابة للطلب على الشبكة الكهربائية المغربية. هذا المزيج يمكن أن يضمن توفر الكهرباء في جميع الأوقات، مع تقديم بصمة كربونية منخفضة جداً.
في الواقع، تكمن الخصوصية الخامسة للمفاعلات الصغيرة المعيارية في بصمتها الكربونية المنخفضة جداً. نسبة إلى الكيلوواط ساعة الناتجة، البصمة الكربونية لمحطة نووية من نوع مفاعل صغير معياري هي 5-15 غرام ثاني أكسيد كربون مكافئ، حيث الكيلوواط ساعة الناتج من محطة غاز هو 450-550 غرام ثاني أكسيد كربون مكافئ/كيلوواط ساعة، وبالنسبة لمحطة فحم حوالي 800-1000 غرام ثاني أكسيد كربون مكافئ/كيلوواط ساعة. بالنسبة للطاقات المتجددة، البصمة الكربونية لمحطة طاقة شمسية من نوع CSP تمثل 8-20 غرام ثاني أكسيد كربون مكافئ/كيلوواط ساعة، بينما لحديقة الرياح تدور حول 10-20 غرام ثاني أكسيد كربون مكافئ[6].
يمكن أن نتصور سيناريو للانتقال الطاقي على المدى المتوسط/الطويل حيث يمكن للطاقة النووية المدنية، من خلال مشاريع مفاعلات صغيرة معيارية، أن تحل محل محطات الفحم ومحطات الغاز الملوثة جداً في ضوء بصمتها الكربونية العالية.
يتماشى هذا الحل أيضاً مع الهدف 2030 الذي يحمله المغرب، والذي يستهدف وجود قاعدة مثبتة من الموارد المتجددة بحوالي 52% من مزيج الكهرباء. سيسمح بتسريع الانتقال الطاقي المغربي في الوقت ذاته مع تقليل اعتماده على استيراد الطاقات الأحفورية، الذي لا يزال مرتفعاً جداً ويزيد من تكلفة الفاتورة الطاقية في المغرب.
التحديات التقنية والاقتصادية
مع ذلك، هذا الانتقال نحو الطاقة النووية لن يكون من الأيسر، لأن عدة عقبات تقف أمام المغرب، ومن الضروري حل عدد منها - إن لم يكن كلها - قبل تتمكن من تفعيل برنامج الطاقة النووية المدنية.
على جانب الاعتماد، لا ننسَ أن مفاعلاً نووياً من نوع مفاعل صغير معياري يستهلك وقوداً يعتمد على اليورانيوم المخصب، غير متوفر بهذا الشكل في المغرب. يتم تثبيت هذا الوقود على شكل عصي تحتوي على عشرات آلاف الأقراص اليورانيوم المخصب. تتراوح دورة استهلاك تجميع الوقود بين 12 و 18 شهراً، وقد تزيد فترة حياته إلى 24 شهراً بفضل الأجيال الجديدة من عصي الوقود بناءً على MOX.
التحدي الرئيسي إذاً هو شراء هذه العصي الوقود ونقلها إلى المغرب. عدة موردين دوليين قادرين على الاستجابة لطلبات العروض هذه وضمان كل السلسلة اللوجستية، من استخراج المعادن إلى تصنيع عصا الوقود النهائية، مروراً بمرحلة الإثراء. هذا من شأنه أن يترك للمغرب اختيار التركيز على الإنتاج النهائي للكهرباء، دون الاستثمار في السلسلة اللوجستية لوقود الطاقة النووية.
خلال الأسابيع الماضية، تمّ الإعلان عن فكرة إنشاء سلسلة لإنتاج اليورانيوم المخصب، بشكل مركز معروف باسم "yellowcake"[7]. إذا تجسدت هذه الفكرة، فيمكن أن تستجيب لحاجة الاستقلال الوطني في الوقود.

مع ذلك، من المستحيل التعامل مع مسألة الوقود النووي دون